Make your own free website on Tripod.com


الاطباء والمرضى والسياسة والاخلاق ... ؟!

نهاد الشيخ خليل  

العودة إلى صفحة الرسالة

يشكو المواطنون في قطاع غزة همومهم همساً وبصوت منخفض خلال الاحاديث التي تتخلل الزيارات الاجتماعية والمكالمات التليفونية ووسائل المواصلات . ومن بين هذه الهموم الكثيرة والمتزايدة ما يعانيه المواطنون في مجال الرعاية الصحية سواء على صعيد العيادات او المستشفيات ، او على مستوى العلاقة بين الاطباء والمرضى . ومن يذهب الى المستشفى يستمع من المرضى وذويهم عبارات تعكس ضعف الثقة بين المواطن والمؤسسة الصحية مثل "الذي ليس له معرفة تتعسر اموره" وكذلك مثل "ان الاطباء لا يهتمون بشكل جيد الا بزبائنهم في العيادات الخاصة" وغيرها من العبارات التي يكثر ذكرها على ألسنة المرضى .

وزارة الصحة ، وعلى لسان اكثر من مسؤول فيها لا تكف عن ذكر ما حققته من انجازات على صعيد انشاء عيادات جديدة او زيادة عدد الاسرة في المستشفيات او زيادة عدد الاطباء والفنيين العاملين في الوزارة . لكن المراقب يلاحظ ان العلاقة اصبحت طردية بين حديث الوزارة عن الانجازات وحديث المواطنين عن الشكاوى والهموم.

وسأذكر هنا حادثتين وقعتا خلال الاشهر الاخيرة، وذلك في محاولة لتنبيه المسؤولين لما يعانيه المواطن ، لعل وعسى ان يقوموا  بمعالجة الخلل القائم بشكل جذري وليس موضعي .

والحادثة الاولى هي ان شاباً يبلغ الثلاثين من عمره كُسرت يده جراء اصابة رياضية ، فتوجه الى مستشفى الشفاء ، ومع التصوير والفحوصات اجريت له عملية ، ولدى المراجعة اكتشف الاطباء ان الكسر لم يجبر ، فقرروا كسر اليد من جديد وقاموا باجراء عملية جديدة ، وحينها قرر المريض ان يذهب لطبيب خاص ، وهذا ما حدث بالفعل بعد ان مكث هذا الشاب قرابة الثلاث شهور يرافقه الالم بلا عمل ولا راتب بسبب خطأ طبيب او عدم كفاءته لاجراء العمليات .

اما القصة الثانية فهي قصة طفل يبلغ من العمر اثنى عشر عاماً شعر بألم شديد في بطنه قبل اسبوعين ، فاسرع به ذووه الى عيادة الرعاية الحكومية الموجودة في الحي وعندما علم الاهل ان الامر ليس اكثر من التهابات في الامعاء -كما اخبرهم الطبيب- تعالج بالمضاد الحيوي ، عادوا الى البيت مرتاحين . ولكن بمرور الوقت لم تؤد جرعات العلاج اي نتيجة تذكر ، فتوجه الاهل الى اخصائي باطنة ، مشهور وعمل لفترة طويلة في مستشفى الشفاء ، وبالطبع ذهبوا له في عيادته الخاصة وشرحوا له الحالة ، فقال ان هذا الطفل يعاني من التهابات في الامعاء ووصف لهم الدواء ، لكن الطفل لم يتحسن واستمرت معاناته عشرة ايام ،وبعدها عرضه والده على ممرض قديم يسكن في الحي فأرشده الاخير ان يذهب للشفاء فوراً لان الطفل يعاني من وجود (زايدة) . وبالفعل  ذهب الرجل بابنه في منتصف الليل الى المستشفى ،وفي الاستقبال قال الطبيب ان الطفل يعاني من التهابات في الامعاء ، لكن ذوي الطفل اخبروا الطبيب انها (زايدة) فتردد الطبيب ثم استدعى اخصائي جراحة وتم تحويل الطفل لغرفة العمليات فوراً ليكتشف الاطباء ان الزائدة الدودية قد انفجرت واحدثت التهابات في الامعاء . وبعد العملية قال الاطباء "الحمد لله ، اللي ستر" .

لو ان الحادثتين سابقتي الذكر وما رافقهما من معاناة للمرضى وذويهم حدثتا في معالجة امراض خطيرة لقلنا لا حول ولا قوة الا بالله هذه هي الامكانيات المتوفرة . لكن كسر العظام كان يعالج في غزة بالطب الشعبي وبنجاح قبل عشرات السنين ، وعمليات الزائدة الدودية كان يتم اجراؤها في غزة حتى قبل ان يوجد متخصصون في الجراحة . لذا لا يمكن ان تفهم او تفسر الاخطاء سابقة الذكر وغيرها الا كتعبير عن خلل في الجهاز الصحي بأكمله ، وفي وضع الاطباء بشكل عام .

واعتقد ان السبب الرئيسي لما يحدث هو النمط الاداري السائد في وزارة الصحة ، صحيح انه سائد في كل الوزارات ، لكن الامر هنا يتعلق بحياة الناس ، هذا النمط او النظام الذي يجعل الكفاءة العلمية والمهنية في آخر سلم المعايير المطلوبة للتعيين والترقية وتولي المسؤوليات . ان هذا النمط الاداري يضعف التنافس العلمي والمهني ويشجع التنافس في مجالات اخرى ، الامر الذي ينعكس سلباً في النهاية على مستوى الخدمات التي تقدم للناس .

قد يقول  قائل ان الكاتب من النوع الذي يتصيد الاخطاء ويسعى لتوظيفها لصالح موقف سياسي معين . لكن هذا غير صحيح فحياة الناس اكثر قداسة من ان تستخدم لاغراض المزايدة ، كما انها اقدس من ان ينظر اليها باستخفاف او على انها احداث عابرة ، وفي التحليل الاجتماعي لا يمكن ان ينظر للاخطاء المتكررة والمتزايدة على انها فردية وعابرة ، بل انها في هذا السياق تعتبر انعكاساً لحالة قائمة وخلل مستمر ، ونتيجة لمقدمات سبقتها وادت اليها . وكل محاولة لتبسيط الامر لن تؤدي الا الى مزيد من النتائج السلبية . لذا فإنني في هذه المقالة ادعو المسؤولين الى الكف عن التعامل مع هذه الاخطاء بالقطعة ، بل يجب معالجتها بشكل شامل عن طريق مراجعة مجمل الاوضاع الصحية في القطاع من الناحيتين المهنية والادارية .

ان تحميل المسؤولية عن الخلل القائم للنمط الاداري وللقرار السياسي لا يعفي الاطباء من المسؤولية فهم هنا امام مسؤولية اخلاقية وضميرية لا تجيز لهم التهاون او الاستهتار بحياة المرضى مهما بلغت درجة التذمر التي يتحدثون عنها همساً نتيجة لغياب العدالة في التعيين والترقيات والترفيع الاداري. ان من حقهم ، كما هو من حق جميع الموظفين ، ان يضربوا ويحتجوا بالوسائل القانونية لتحقيق العدالة واعتماد الكفاءات لا الولاءات ، ولكن غير مسموح لاحد ان يعبر عن تذمره من خلال الاستهتار بحياة الناس .

   

آخر تعديل بتاريخ 28/03/00

العودة إلى صفحة الرسالة

 

 

 

تصميم وإشرافسامي يوسف نوفل