Make your own free website on Tripod.com


قراءة هادئة في شهادة الشيخ احمد ياسين على العصر

نهاد الشيخ خليل  

العودة إلى صفحة الرسالة

بعد ان انتهى بث حلقات شاهد على العصر ، وبعد ان وضعت حملة ردود الافعال -الظاهرة والخفية- اوزارها ، كيف يمكن لنا ان نقيّم -بانصاف- هذه الشهادة وما اثارته من ردود متباينة؟ وفي الاجابة على السؤال لابد من تحليل ردود الفعل ، ثم الانطلاق بعد ذلك للحديث عن الشهادة ذاتها.

بخصوص ردود الافعال فيمكن تقسيمها الى قسمين ، اولها: يمثله اشخاص من محبي الشيخ ومؤيديه اعربوا عن خوفهم من ان يستغل البعض الكلمات التي وردت في حديث الشيخ -وهي قليلة- للاساءة اليه ، ولم يعترض هؤلاء على مضمون الشهادة ، وان رأى بعضهم ان اداء الشيخ -من حيث الشكل- قد اختلف قليلا عما هو معهود عنه.

القسم الثاني يمثله اشخاص من معسكر خصوم الشيخ الذين لم يسرهم رؤيته متمتعا بهذه الدرجة العالية من الشعبية والرمزية ، فأسقطوا في مقالاتهم ومقولاتهم ما تجيش به نفوسهم من اماني باسقاط الشيخ محاولين استخدام بعض ما قيل في الشهادة وتحويله الى سهام قاتلة لحاضر ومستقبل الشيخ، لكن سهامهم ردت الى نحورهم او الى نحور بعضهم على الاقل، حيث بدا ما قالوه وما كتبوه اقرب الى التعبير عن الحقد وليس الرد الموضوعي على مقولات محددة.

اما عن الشهادة على العصر ، وعملية تسجيل التاريخ، فانها علم وفن يتخصص فيه الناس ، وتمر الشهادة او تسجيل التاريخ المكتوب بعدة مراحل منها كتابة المسودات ثم تنقيحها واعادة صياغتها ، وهذا يتطلب وقتا وجهدا. وكذلك فإن التسجيل الشفوي المتلفز للسيرة الذاتية او للتاريخ يحتاج الى الاستعداد واستحضار الاحداث بشكل جيد.

والشيخ احمد ياسين ورغم انشغاله بلقاءاته السياسية والاعلامية الكثيرة -اثناء جولته لعدد من الدول العربية والاسلامية- قبل عرض الصحفي القدير احمد منصور لتسجيل الشهادة على العصر.

من يعرف الحركة الاسلامية الفلسطينية يدرك اهمية تسجيل روايتها التاريخية للاحداث ، بالنسبة لنفسها ولمجتمعها كذلك، حيث ان غيرها حاول باستمرار ان يرسم لها الصورة التي يريد ، هذه الصورة التي كانت تجانب الحقيقة في كثير من الاحيان ، لذلك لم يشأ الشيخ احمد ياسين ان يفوت الفرصة السانحة ، وفضل استثمارها بهدف اطلاق عملية تسجيل تاريخ الحركة الاسلامية بأيدي ابنائها ، وبالتأكيد فإن الشيخ يدرك ان عملية تسجيل التاريخ تحتاج بجانب روايته الى روايات اخرين ممن شاركوه المهمة وتحملوا معه عبء المرحلة ، كما انها بحاجة الى عملية نقد وتقويم حتى تستخلص منها الدروس والعبر التي تفيد الحركة الاسلامية والشعب الفلسطيني بأسره.

ان الذين انتقدوا شهادة الشيخ على العصر ركزوا على الشكل ، ولم يلتفتوا الى المضمون، ولو امعنوا النظر لوجدوا انهم امام رجل عظيم يستحضر على وجه السرعة احداث نصف قرن -العام والخاص منها- ولم يصعب عليه التذكر الا في حالات قليلة . رجل شق طريقه الى القمة من خلال الجهد والكفاح والقدرة على التصرف والمبادرة في المنعطفات ومراحل التحول.

رجل كانت طريقه الى القمة مليئة بمحاولات المنع ابتداء ثم الاعاقة وبعد ذلك محاولة نزع الشرعية وبعدها الاحتواء والاغراء ثم التلويح بالعصا . رجل لم تساعده في الوصول الى القمة اموال لشراء الذمم ، او عصا تغيب الاخر، او احتكار لوسائل الاعلام التي لا تسمح بعرض الرأي المخالف.

رجل لم يكن يملك سوى قدرته على الفعل ، والتصاقه بالجماهير ، وفهمه لمعاناتهم وحاجاتهم ، وبالتالي قدرته على التعبير الصادق والامين عن آلامهم وآمالهم ، واتخاذ القرارات التي تستجيب لنبض الشارع وتلبي طموحاته وتطلعاته وتصون منجزاته وتحافظ على مكاسبه.

ان من تمعن في ما بين السطور في شهادة الشيخ، وانتبه الى المضمون ، يدرك انه امام زعيم سياسي عملي يعبر عن واقعية سياسية من نوع جدير بالاحترام ، فهو من جهة حريص على الوحدة الوطنية بكل صدق واخلاص ، لكنه يصر على قول الحقيقة كما شاهدها ورآها بكل حزم واصرار ، مع ابدائه الاستعداد الدائم للتسامح والتصالح.

انه يلتقي الضعفاء والفقراء ويقدم لهم المساعدة بعيدا عن الكاميرات ويستقبل العاطلين عن العمل ويسعى لتأمين مستقبلهم ، ويجالس المثقفين ويستمع الى ارائهم وتحليلاتهم واغراءاتهم ويحلل توجهاتهم المستقبلية.

وبناء على ما تقدم في الفقرة السابقة ، فان الشيخ لحظة اتخاذه للقرارات يستحضر الالم والمعاناة للضعفاء والفقراء وذوي الحاجات ، ويستشرف الامل والحلم الذي يبشر به المثقفون ، ويدرك حجم الضغوط والتهديدات التي يستشفها من توجهات اعدائه وخصومه ، وبعد ذلك يتخذ القرار الواقعي -وهذا ما يميز الشيخ وما سيبقيه في القمة- لكن واقعية الشيخ هي من نوع اخر ، انها -قطعا- ليست كواقعية السلحفاء التي تضع اقدامها وبطنها ورأسها على الارض ، فهذه واقعية ذليلة ، ان الواقعية التي تستشف من مضمون حديث الشيخ تلك التي تغرس الاقدام فيها على الارض بينما يبقى الرأس مرفوعا في السماء.

   

آخر تعديل بتاريخ 28/03/00

العودة إلى صفحة الرسالة

 

 

 

تصميم وإشرافسامي يوسف نوفل