Make your own free website on Tripod.com


احاديث الدولة الفلسطينية : من الذي تغيّر ؟!

المعتقل السياسي ابراهيم ابو الهيجا

سجن جنيد العسكري - نابلس

 

العودة إلى صفحة الرسالة

كثيرة هي احاديث الدولة الفلسطينية ،  وما من مسؤول فلسطيني الا ويردد التهديد بالاعلان عنها ، بعد ان كان الخيار في الرابع من ايار بين الاعلان والتأجيل هو (الانتظار) او قل التأجيل الخجول .. بعد ان شهدنا فصلاً حميماً من التهديد والوعيد للاعلان عن الدولة واستخدامها كاسلوب (تحريكي) من اجل زحزحة التعنت (الاسرائيلي) والتقدم باتجاه تطبيق مستحقات (اتفاقية واي) التي لم يجف حبرها بعد .. وما يجري اليوم من احاديث واقاويل قد تثير "الغرابة" لدى البعض ، فما من مسؤول "اسرائيلي" من اقطاب اليمين او اليسار بل ان هناك اغلبية في الشعب الاسرائيلي (تؤيد او ترى) حتمية قيام (دولة فلسطينية) .. هذه الغرابة دعت بعض المنظرين والفلاسفة الفلسطينيين الى الحديث اليوم عن انتهاء (مشروع اسرائيل الكبرى) وان احلام الصهاينة دفنت بسبب (اوسلو) .. بل الذهاب بعيداً والتحدث ان العلاقة الاستراتيجية (الصهيون امريكية) هي في تراجع او في حالة (طلاق) كما سمّاها احد المفكرين (المغمورين) .. ورغم ان كل ذلك يتعلق بموضوعنا الا اننا سنركز هنا على قضية الدولة الفلسطينية كونها الامل الفلسطيني الذي تنطلق منه كل هذه الافكار .. وكيف حدثت الاعجوبة (الموافقة والحتمية) للدولة الفلسطينية حيث اصبح (شارون) يتحدث بلسان (براك) .. تعالوا نقيس ونرى هل تغيرت احلامهم وافكارهم ؟ ام اننا تغيرنا نحن حتى اصبحنا نرصد التغير في رأينا على انه تغير عندهم يتطلب التعجل منا في اعطاء اجابات واستنتاجات متسرعة او مقصودة .

** النظريات والتجاوب تناقض الوقائع 

تعلمت من خلال دراسة العلوم السياسية ان معظم تعريفاتها وتجاربها تتفق على ان هناك اربعة عناصر تشكل مفهوم (الدولة) وهي :

(الارض والشعب والسيادة والسلطة) ومراجعة سريعة لتلك العناصر وقياسها على الواقع الفلسطيني يعطيك صورة مستقبلية لشكل هذه الدولة الفلسطينية :

1- الارض  : تمتلك السلطة فعلياً سيطرة كاملة على (5.7%) وحوالي (34.3%)  منطقة (ب) سيطرة مشتركة والبقية العظمى 60% منطقة (ج) سيطرة اسرائيلية ، ومعروف مدى التنازلات الجمة  التي قدمت من اجل الحصول على متر آخر من الارض وكان واضحاً ذلك في (اتفاق واي) الاخير ناهيك عن ان مناطق السيطرة الفعلية مشتتة ديمغرافياً وجغرافياً ويساهم في قطع التواصل الجغرافي وتهديد امنها وابقاء تبعيتها (الواقع الاستيطاني) المستمر حسب احتياجات امنية او نمو طبيعي او خطوط عرضية وحدودية .. كما ان  التصورات الامريكية والاسرائيلية في احسن احوالها تعطي الفلسطينيين من (40 - 50%) من اراضي الضفة والقطاع فهذه الارض حسب (اتفاق اوسلو) اصبحت متنازعا عليها وما تبقى من ارض (48) اسقطنا حقنا فيه وطوينا الصفحة واذا اردنا معرفة الصورة عن قرب فعلينا ان نلقي نظرة على خرائط المصالح الامنية والاستراتيجية التي يقدمها اليساريون قبل (شارون) .

2- السيادة : (طبعاً) الدولة التي يتحدثون عنها لا تملك سيادة فعلية على الحدود والمياه او الاجواء الاقليمية وهي تابعة اقتصادياً وحياتياً وعلى مستوى (اوسلو) والحديث يدور عن سيادة على السكان (وحسب) مفهوم حزب العمل (اقل قدر من السكان اكبر قدر من الارض) ، حدود هذه الدولة وكيانها معزول بخطوط عرضية امنية اسرائيلية ، اضافة الى خطوط حول (وادي الاردن) وما يسمى (الخط الاخضر) ، ناهيك عن الاحزمة الاستيطانية او دولة المستوطنات المترابطة بالطرق الالتفافية والتي تجعل السيادة على الارض والموارد والاجواء والمياه صعبة ان لم تكن مستحيلة وربط الكانتونات واماكن السيطرة الفلسطينية بطرق هشة تأمن التواصل الضعيف تجعلها مهددة امنياً وتابعاً اقتصادياً واضعف من اي مواجهة مقبلة او محتملة ولو مع مستوطنة واحدة .

3- الشعب : الحديث عن الشعب (دون شك) يرتبط في مصير (اللاجئين) وحسب تعريف اوسلو هناك (النازح) و(اللاجيء) .. ولا زالت (اللجنة الرباعية) الخاصة بالنازحين تضع تعريفاً ملائماً (للنازح) منذ سنوات اوسلو وحتى الآن .. ، وعملياً 62% من الشعب الفلسطيني لاجيء ومشرد وهؤلاء قضيتهم مؤجلة للمفاوضات النهائية ، وضمن التصورات المطروحة هناك حديث يدور عن (تعويض وتوطين) للجزء الاعظم منهم وعودة (القليل) ، وآخر الاقتراحات على لسان (شلومو بن عامي) من اقطاب حزب العمل الذي دعا الى توطين اللاجئين في صحراء سيناء ... اذن عملياً الشعب مشتت داخل فلسطين نظراً للواقع الجغرافي الذي (ذكرناه) ، كما انه مشتت داخل وخارج فلسطين حيث هناك الجزء الاعظم ، وحسب المنظور فإن هناك صورة مأساوية للتخلي عن هذا الجزء وعن حقهم في الوجود في وطنهم وارضهم ، ناهيك عن ان الارض الفلسطينية التي من الممكن الحصول عليها لا تناسب حجم الشعب الفلسطيني ولا نموه السكاني المستقبلي .

4- السلطة الشرعية : وهنا علينا ان نميز بين (سلطتين متداخلتين) ، الاولى / منظمة التحرير الفلسطينية : التي ألغت الميثاق الخاص بأهم مسلماتها ، مع العلم ان تشكيلها يستند على الفصائلية والتوافقية والتعيين ، ولم تجر لها انتخابات حرة لافراز مؤسساتها وقياداتها .

الثانية/ السلطة الفلسطينية (الرئاسة والتشريعي) : حيث جرت انتخابات للشعب الفلسطيني الذي يسكن في الضفة والقطاع وفق ما اتفق عليه مع الاسرائيليين في اتفاقية (طابا) ، ولن نتوقف هنا على ديمقراطية وشرعية هذه الانتخابات ، بل سنتحدث عن سقف هذه الهيئات حيث يعتبر (اوسلو وتوابعه) هو السقف الذي لا يجوز تجاوزه .

بعد معرفة الكل يتبين لنا ميزتان حول شرعية السلطة :

أ- هناك ثنائية بين (م.ت.ف) والسلطة تصل الى حد (الازدواجية) فمثلاً ما يطلق عليه (القيادة الفلسطينية) تمثل فيه الوزراء واللجنة التنفيذية يضاف اليهم طاقم المفاوضات والاجهزة الامنية) .

ب- ان مفهوم الشرعية يجب ان يكون لكل الشعب الفلسطيني قرار فيه او حق وهذه الشرعية لا تتوافر في (م.ت.ف) كون مؤسساتها اتت بالتعيينات ، كما ان المجلس التشريعي لا يمثل سوى (38%) في احسن (الاحصاءات) ، كما ان انتهاء الاتفاقيات الانتقالية في الرابع من ايار يجعل السلطة وتوابعها امام (اختبار قانوني) ، يجعلها لاغية كما تحدث (ايلان بكر) المستشار القانوني لوزارة الخارجية الاسرائيلية .

محددات الدولة الفلسطينية

اولا : المرجعية (اتفاق اوسلو) وهي اتفاقات غامضة وعمليا ليس لها مواعيد مقدسة وغارقة بالتفاصيل  الامنية .. وبخصوص قرار 242 ايضا غامض ويتحدث عن حلول دول وليس عن الشعب الفلسطيني الذي اعتبر مشكلتهم اشكالية (لاجئين) ، و (النص الانكليزي) يتحدث عن انسحاب من اراض وليست كل الاراضي .. وعندما حاول الفلسطينيون احياء قرار 181 ، كان هناك تهديد امريكي واضح لهم رغم ان هذا القرار صناعة صهيونية وتسويق امريكي ، جرى الاعتراف بدولة اسرائيل على اساسه ويعطي للفلسطينيين 34% لاقامة دولتهم ويعتبر القدس دولية والجليل الغربي جزءا من فلسطين. اذن المرجعية غامضة وخطيرة وتفسر لصالح الطرف القوي.

 ثانيا: حقائق الارض والمشاريع الصهيونية والاتفاقات السلمية وتوابعها لا تمكن من اقامة اقتصاد مستقل، وتجعل السلطة الفلسطينية رهينة مساعدات اموال الدول المانحة ، كما ان هذه الوقائع والاتفاقات تجعل هذا الكيان مشرذما ديمغرافيا ومشتتا جغرافيا ومهددا امنيا ولديه ازدواجية ادارية وسلطوية.

ثالثا: الموقف الامريكي حول الدولة الفلسطينية اراه اكثر تطرفا من الموقف الاسرائيلي ذاته، فإلى الان لايتحدث الامريكان حتى عن اسم (دولة فلسطينية). وافضل الصيغ الرمزية تتحدث عن (تقرير مستقبله على ارضه وان يعيش حرا اليوم وغدا والى الابد) ، وهذا ما جاء في رسالة الضمانات مقابل عدم اعلان الدولة الفلسطينية وعلى المستوى غير الرسمي ومن وراء الابواب المغلقة يتحدثون عن هذه الصيغة انها تكافئ (حق تقرير المصير) ، وكلنتون يرى ان الدولة الفلسطينية من الجيد ان تقوم على 40% من مساحة الضفة وغزة ، وليس خافيا على احد التهديدات الامريكية المتوالية للفلسطينيين من طرح قرار 181 ومحاولة احيائه ، يضاف الى ذلك ان الامريكان يسوقون باراك للعرب وبضرورة قبوله مما يجعل الفلسطينيين اضعف في الصمود امام المفاوضات التي يصرّ براك والامريكان على ان تكون ثنائية وهذه اخطر مما يجعل ما يتحصل من حقوق يعتمد على  ما سيعطي الجانب الاسرائيلي.

ومن الجيد -اخيرا- ان نعرف ان الامريكان في الوقت الذي بعثوا فيه برسالة ضمانات تحمل المواقف التقليدية ولا تقدم جديدا اثناء انعقاد المجلس المركزي 72/4 في هذا الوقت اعترضت امريكا واسرائيل على قرار لجنة حقوق الانسان التابعة للامم المتحدة الذي يعطي الفلسطينيين (حق تقرير المصير) ان التزاوج بين المواقف الرسمية وغير الرسمية يعطيك صورة بشعة عن دور امريكي قادم ضاغط على الجانب الفلسطيني وليس العكس.

رابعا: الموقف الاوروبي حول الدولة والمتمثل في اعلان برلين الذي اعتبرته الفتح الكبير ، هذا الموقف جرى بالتنسيق مع الامريكان وجرى تسويقه اوروبيا (لنهلل له ونقبل به) ، وهو موقف خطر الترحيب به او السكوت عنه، لانه يريد دولة (مسالمة وقائمة بذاتها) ، كما ان الموقف الاوروبي لا يضع خطوة فعلية في حالة انتهاء فترة السنة لقيام تلك الدولة، ولا ننسى هنا ان اعلان برلين تناسى مسألة القدس عمدا.

ان الموقف الاوروبي يعد تراجعا عن مواقف اوروبية قديمة مثل اعلان البندقية ، بل ان كارتر الرئيس الامريكي الاسبق له مواقف افضل منه تدعم مشروعية الشعب الفلسطيني ومتشددة اكثر حيال القدس والاستيطان وضد الممارسات  الاسرائيلية فيهما.

باختصار.. ان كل ذلك يجلعنا نعيد النظر او ان نجد تعريفات اخرى ومفاهيم مختلفة للارض والسيادة والشعب والسلطة وشرعيتها لكي تغدو هذه المفاهيم فارغة المضمون متمسكة بالشكل ليس الا فالارض ليست ذات الارض ولا الشعب ولا الشرعية ولا السيادة .. ان ما تريده المدارس الواقعية والامريكية التي تتفنن في اختراع الصيغ الابداعية (والتي تهضم الحقوق وانت تبتسم) ويظن شعبك انك حققت شيئا والحقيقة انك حصلت على القشور وليس الفائدة .. انهم يريدون تغيير المفاهيم والمصطلحات لكي تناسب العلاقات المصلحية وموازين الضعف والقوة وبذلك نكون اكثر واقعية وقبولا ، لدولة اسمية نظرية خالية من الجوهر والمضمون مقابل اعتراف بدولتهم التي اخذت الموارد والارض وضمنت الامن وحقق اسرائيل سيدة في المنطقة بفضل الاختراق والتطبيع .. اذن من الذي تغير نحن ام هم؟!

هل كسبنا المعركة ام خسرناها؟!


آخر تعديل بتاريخ 28/03/00

العودة إلى صفحة الرسالة

 

 

 

تصميم وإشرافسامي يوسف نوفل